محمد بن جرير الطبري
201
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : عنى بذلك : وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشح ، على ما قاله ابن زيد ، لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جعلا على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزة ، وذلك أنه غير معتاض عوضا من جعله الذي بذله لها ، والجعل لا يصح إلا على عوض : إما عين ، وإما منفعة . والرجل متى حمل للمرأة جعلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينا ولا منفعة . وإذا كان ذلك كذلك ، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال : عنى بذلك : الرجل والمرأة . فإن ظن ظان أن ذلك إذ كان حقا للمرأة ، ولها المطالبة به ، فللرجل افتداؤه منها بجعل ، فإن شفعة المستشفع في حصة من دار اشتراها رجل من شريك له فيها حق ، له المطالبة بها ، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعل ، وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عوض غير جائز ، إذ كان غير معتاض منه المطلوب في الشفعة عينا ولا نفعا ، ما يدل على بطول صلح الرجل امرأته على عوض ، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها . وإذ فسد ذلك صح أن تأويل الآية ما قلنا . وقد أبان الخبر الذي تركناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار ، أن قوله : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً . . . الآية ، نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته ، إذ تزوج عليها شابة ، فآثر الشابة عليها ، فأبت الكبيرة أن تقر على الأثرة ، فطلقها تطليقة وتركها ، فلما قارب انقضاء عدتها ، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة ، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة ، فراجعها وآثر عليها ، فلم تصبر فطلقها . ففي ذلك دليل واضح على أن قوله : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ إنما عنى به : وأحضرت أنفس النساء الشح بحقوقهن من أزواجهن على ما وصفنا . وأما قوله : وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فإنه يعني : وإن تحسنوا أيها الرجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهن دمامة أو خلقا ، أو بعض ما تكرهون منهن بالصبر عليهن ، وإعفائهن حقوقهن ، وعشرتهن بالمعروف وَتَتَّقُوا يقول : وتتقوا الله فيهن بترك الجور منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم من القسمة له والنفقة والعشرة بالمعروف . فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يقول : فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم أيها الرجال من الإحسان إليهن ، والعشرة بالمعروف ، والجور عليهن فيما يلزمكم لهن ويجب خَبِيراً يعني عالما خابرا ، لا يخفي عليه منه شيء ، بل هو به عالم ، وله محص عليكم ، حتى يوفيكم جزاء ذلك المحسن منكم بإحسانه والمسئ بإساءته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك ، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصواحبها لأن ذلك مما لا تملكونه ، وليس إليكم . وَلَوْ حَرَصْتُمْ يقول : ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ قال : واجب أن لا تستطيعوا العدل بينهن . فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ يقول : فلا تميلوا بأهوائكم إلى من لم تملكوا محبته منهن كل الميل ، حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهن عليكم من حق القسم لهن ، والنفقة عليهن ، والعشرة بالمعروف العدل بين الأزواج . فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ يقول : فتذروا التي هي سوى التي ملتم بأهوائكم إليها كالمعلقة ، يعني : كالتي لا هي ذات زوج ، ولا هي أيم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ما قلنا في قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن